التشوّه الفكري

حين أرسل لي الصديق العزيز حاتم الشهري سؤالاً بُعِث له حول من المسؤول عن التشوّه الفكري للفرد، أردت إجابةً مختصرةً، ولكنني أيقنت أن السؤال الذي أرّق من مثل حاتمٍ، لن يكون جوابه مختصراً بالتأكيد.

ما يلي ليست إجابةً على السؤال، فأنا أقل من أن أكون قادراً على ذلك، وإنما هي أفكار أحياها هذا السؤال العميق:

  • من المسؤول عن التشوه الفكري؟

عندما نعود إلى مناهج التعليم لدينا ربما سنجد خيطاً متعلقاً بهذا السؤال، فمناهجنا لا تُحرّض مطلقاً على التفكير: هناك معلومة، يتقاسمها معك معلمك، دون أن يريك الصورة الكاملة لها، دون أن يحاول المرور على نقيضها من أجل أن يزيد إيمانك بتلك المعلومة -فهو ذاته يعيش عاجزاً في هذه الدائرة منذ طفولته-.. حينها ستؤمن بها فقط لأنك تعلم أن غير ذلك لن يقودك لشيء.

شيئاً فشيئاً يتغلغل أسلوب التفكير هذا في عقلك، حتى تُبلوره المراحل التعليمية المختلفة، لتخرج منها شخصٌ يؤمن فقط بالوجه الواحد للمعلومة، دون نقيضه، دون الاكتراث بخلفية هذه المعلومة، دون أن ترى الصورة الكاملة.

ولأن طبيعة الإنسان هي حب المعرفة، تصطدم طريقة تفكيرك تلك برغبتك بالمعرفة، ليتحوّل إيمانك بذلك الوجه الوحيد من المعلومة، إلى إيمانك بكلّ تناقضاتها، حتى لو كان ذلك الإيمان متعلقٌ فقط بإثبات وجودك.

وحتى لا أضع كل اللوم على المناهج التعليمية، لا بد أن نلتفت قليلاً إلى المجتمع الذي يُجبرك على التأقلم على طريقة تفكيره المبنية على العاطفة، والاعتقاد بأن كل ما نشعر به صحيح دون أن نحتاج لأي برهان، فنرى كل شيءٍ بلونين فقط: إما الأبيض أو الأسود.

هذا التفكير يُحوّلك إلى شخصٍ ثنائيّ التفرّع: إما حبٌ عظيم أو كرهٌ كبير، وإما نجاحٌ أو فشل، وإما صداقةٌ أو عداء.. لا حل وسط، ولا مكان للخطأ!

ولذلك نقاشاتنا دائماً تدور حول الانتصار للفكرة، لا البحث عن المعرفة.

يقول جورج أورويل في روايته 1984:

لا مانع في منحهم حرية فكرية، طالما أنهم مجرّدون من القدرة على التفكير

ما نفتقده حقاً هو القدرة على التفكير الصحيح، وهذه القدرة نظن أننا حصلنا عليها بمجرد أن قرأنا بعض الكتب، وتكوّنت لدينا وجهة نظر حول ما قرأناه، ولكننا ننسى أن فكرة (الوجه الواحد للمعلومة) لا تزال تنخر في عقولنا، حتى أننا نخشى أحياناً أن نقرأ في نقيض أفكارنا التي آمنّا بها بالرغم من كمّ الحرية الممنوحة لنا لنقرأ حول أي شيء..

إنه العجز الحقيقي عن التفكير!


فائدة:

في القرآن الكريم، لم يُستَعمل (العقل) بصيغة الاسم الجامد مطلقاً، وإنّما استُعملت مشتقاته الفعلية: (تعقلون، يعقلون، عقلوه…) وفي ذلك تلميحٌ إلى أن الله عز وجل خلق العقل باعتباره وظيفة حيوية وقوة نفسية، ينبغي أن تُستثمر في محلّها.

الإعلانات

One comment

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s