حركة الإصلاح والمذهب البروتستانتي

من أين استمدت الكنيسة سلطتها

لقد مارست الكنيسة الرومانية كامل سلطتها ونفوذها على الشعوب وحتى على الملوك والأمراء على مدى قرونٍ من الزمن، وكانت تستمد تلك القوة والسلطة من تفسير النصوص الواردة في “إنجيل متّى”¹، وكيف أن الكنيسة هي صاحبة النفوذ على العالم كله، والذي تستمده من الله مباشرةً، وتُعطيه هي للملوك والأمراء، وأن البابا وحده هو صاحب الحق في توليتهم وخلعهم، ولا يُسأل عن ذلك أبداً.


ما هي صكوك الغفران

البابا ليو العاشر
البابا ليو العاشر
انتخب بابا للكنيسة في 9 مارس 1513م حتى توفي في 1 ديسمبر 1521م، وكان أحد أفراد عائلة “آل دي ميديتشي” ذوي النفوذ والسلطة آنذاك، وكان له ميل شديد نحو حياة البذخ ومفتوناً تجاه كل ما هو باهظ الثمن، حتى أنه كان يُموّل الأعمال الفنية من مال الكنيسة الخاص، ومنها طلبه من الفنان الشهير “مايكل انجلو” بناء ما عُرِف بغرفة المقدسات بجانب كنيسة سان لورينزو في فلورنسا الأمر الذي تسبب بعجزٍ كبيرٍ في ميزانية الفاتيكان.

كان الباباوات يتنافسون فيما بينهم عمّن يقدم خدماتٍ للكنيسة لم يقدمها سابقوه، فظهرت “صكوك الغفران” وهي عبارة عن سنداتٍ يقوم الناس بشرائها لتحقيق المغفرة ومحو خطاياهم، وكان ظهورها الأول على يد “البابا ليو العاشر” وذلك من أجل بناء كنيسة جديدة تحمل اسم “القديس بطرس” ولتمويل الحروب الصليبية التي كانت موجّهة للقضاء على الحكم العثماني وإقامة إمارة صليبية في بيت المقدس.

كان انتشار تلك الصكوك محدوداً في البداية ورضي به الناس للأسباب السابقة، ولكن وجد الباباوات بها فرصةً لجلب الأموال وزيادة ثرواتهم وتوسيع ممتلكاتهم، وأعطوا هذه الصكوك مجالاً أوسع، حتى أصبح من يدفع أكثر لشراء تلك الصكوك لا يحتاج للذهاب إلى الكنيسة، ويضمن غفران ذنوبه في حياته وحتى بعد موته، وقد استمد البابا فكرة صكوك الغفران من النظرية التي تقول بأن “القديس بطرس”² وخلفاؤه قد جُعِلَت لهم ميزة توزيع الثواب على المؤمنين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

بعد انتشار صكوك الغفران، ثار العديد من الرهبان على تلك الصكوك، لتجاوزها كل الحدود والصلاحيات لدرجة تدخلها فيما هو من صفات الله وحده كمحو الخطيئة بالكلية، وتجنّب المساءلة والمحاسبة في الآخرة.


ما هي عقوبة الحرمان

البابا بيوس الخامس، اليزابيث الأولى، ماري ستيوارت
من اليمين (البابا بيوس الخامس، اليزابيث الأولى وماري ستيوارت ملكة اسكتلندا)
كان أول ما قامت به “اليزابيث الأولى” عند توليها العرش في 17 نوفمبر 1558م إقامة الكنيسة البروتستانتية الإنجليزية، قبل أن تعتقل “ماري ستيوارت” ملكة اسكتلندا اعتراضاَ على الوجود الفرنسي في اسكتلندا وخشيةً من عزم فرنسا غزو إنجلترا، وهو الأمر الذي أدى إلى ثورةٍ في اسكتلندا لتحرير ملكتهم، قبل أن يتم دحر المتمردين، وإيماناً من البابا “بيوس الخامس” بنجاح الثورة أصدر مرسوماً في عام 1570م يعلن فيه أن “اليزابيث الأولى” ملكة زائفة وخادمة للجريمة ليقرر تنفيذ عقوبة الحرمان الكنسي عليها.

كما ذكرت سابقاً، فإن الكنيسة استمدت سلطتها ونفوذها من تفسير النصوص الواردة في الكتاب المقدس “إنجيل متّى” وجعلت الملوك والأمراء يستمدون شرعيتهم من البابا والكنيسة، وكانت عقوبة محاولة أي حاكم الخروج عن طوع البابا والكنيسة هي سلبه ملكه وإباحة تمرد رعاياه عليه، كما حدث مع ملكة إنجلترا “اليزابيث الأولى” عندما أباح “البابا بيوس الخامس” لرعاياها عصيانها وذلك بعد أن أعدمت نحو 750 شخصاً كانوا قد شاركوا في انتفاضة كاثوليكية لتحرير “ماري ستيوارت” ملكة اسكتلندا بعد أن اعتقلت بأوامر من “اليزابيث الأولى”.

“عقوبة الحرمان” شملت أيضاً الشعب، وكانت في أبسط صورها تكون عبر حرمانه من بعض المزايا الكنسية، وإذا كان الفعل كبيراً يتم طرده من عضوية الكنيسة وحرمانه من معاشرة المسيحيين ودفنه عند موته على غير الشعائر المسيحية.


الهرطقة ومحاكم التفتيش

محاكم التفتيش
كانت الآلية التي تتم وفقها محاكم التفتيش بأن يؤتى بالمتهم، ويكون الجلادون مرتدين قمصاناً سوداء وغطاءً للرأس به فتحتان للعينين وفتحة للفم وأخرى للأنف، ويُمسكون المتهم ويجردونه من ثيابه حتى خصره، ويضعونه أمام لجنة المحكمة التي تسأله الاعتراف بأخطائه، فإذا لم يعترف، أمرت الجلادين بتعذيبه بعد أن تحذره بأنه في حال كُسرت عظامه أو أصابه أي شيءٍ أو مات فإن المسؤولية تقع عليه كونه رفض الاعتراف.

ربما يكون أول ما يدور في أذهاننا حين نسمع جملة “محاكم التفتيش” هي تلك المحاكم التي مورست ضد المسلمين في الأندلس بعد سقوطها، ولكن ظهور هذه المحاكم كان قبل ذلك، فقد أنشئت الكنيسة تلك المحاكم خصيصاً لكل من يحاول التفكير خارج نطاق الكتاب المقدس، والذي كان رجال الكنيسة يؤمنون بأنه يتضمّن كل أنواع العلوم التي يحتاجها الانسان سواءً كانت علوم دينٍ أو دنيا رغم اصطدام تلك العقائد بالحقائق العلمية، فقد كان رجال الكنيسة يؤمنون مثلاً بأن الشمس تدور حول الأرض، وحين جاء العالم “نيكولاس كوبرنيكوس” بنظريته التي تقول بأن الأرض هي من تدور حول الشمس التي تعد مركز الكون، ثم أتى الفيزيائي الألماني “يوهانس كيبلر” ليؤكد صحتها، قبل أن يقوم الفلكي الشهير “جاليليو جاليلي” بتجربةٍ عمليةٍ تثبت صحة نظرية “كوبرنيكوس” تم تحويل الأخير إلى محكمة التفتيش في روما بتهمة الهرطقة³، وأجبرته المحكمة على التراجع عن رأيه ذاك، بعد أن عرضت عليه وسائل التعذيب المستخدمة، ليمضي بقية حياته معتقلاً في منزله.

وعلى ذات النهج، حوكم العالم “جيوردانو برونو” صاحب الفرضية القائلة بأن الكون لا نهائي، وأن هنالك أشكالاً من الحياة خارج الأرض -وهو ما رفضته الكنيسة التي تؤمن بأن الأرض مسطحة- لتقوم بمحاكمته لمدةٍ تجاوزت السبع سنوات تم خلالها محاولة انتزاع اعترافاته عن طريق التعذيب، غير أنه جاهد ليُثبت صحة فرضيته ليتم الحكم عليه بالموت حرقاً، وفعلوا ذلك في ساحة “كامبو دي فيوري” في روما بعد تكميم فمه كي لا يتفوّه بعباراتٍ قد تساهم في زعزعة معتقدات الحاضرين لمشاهدة المحرقة.

ولعل أشهر حادثةِ قتلٍ قامت بها الكنيسة، كانت تلك التي حُكِمَ فيها على الفيلسوفة وعالمة الرياضيات “هيباتيا” ابنة “ثيون السكندري” بالقتل بناءً على توجيهات أسقف الإسكندرية “كيرلس الأول”، باعتبارها تهديداً لانتشار المسيحية بسبب تعليمها العلوم والرياضيات والفلسفة، ليقوم مجموعةً من الرهبان في عام 415م بقتلها وسحب جثتها داخل كنيسة “قيصرون” وتقطيعها، قبل أن يتم تجميع القطع فوق بعضها لتُحرَق، ليكون مقتلها إعلاناً لنهاية عصر التنور الفكري والتقدم المعرفي الذي شهدته مدينة الإسكندرية لأكثر من 750 عاماً، حيث قام العديد من العلماء بعد ذلك بترك المدينة والانتقال إلى أثينا والهند وبلاد فارس.

وعلاوةً على محاربتها العلم، فرضت الكنيسة أن يكون الكتاب المقدس باللغة اللاتينية والتي كانت تعتبر اللغة الرسمية لطبقة رجال الدين، واحتكرت فهمه وتفسير نصوصه وفرضت من خلال ذلك تشريعاتٍ وعقائد لم توجد به أصلاً، مستغلين كون عامة الشعب لا يعرفون اللاتينية، وحرّمت قراءة ترجمة الكتاب المقدس، ومنعت كل من حاول ترجمته للغةٍ يفهمها عامة الناس، إما بتشويه سمعته ومنع كتبه، أو قتله كما حدث مع “يان هوس” القس التشيكي حين قام عام 1390م بإلقاء مواعظه باللغة التشيكية بدلاً من اللاتينية، ليتم اتهامه بالهرطقة ويهرب من “براغ”، قبل أن تمنحه الكنيسة الأمان للعودة والدفاع عن نفسه وشرح وجهة نظره، ليعود في عام 1414م ويكتشف أن ذلك الأمان لم يكن إلا فخاً منصوباً له، ليُسجن ثم يُحرق حياً في السادس من يوليو 1415م.

القديس توما الأكويني، البابا إنوسنت الرابع
من اليمين (القديس توما الأكويني، البابا إنوسنت الرابع)
لقد كانت محاكم التفتيش تلك تستند لمؤلفات “القديس توما الأكويني” صاحب كتاب “مجمل اللاهوت” والذي يتناول فيه ضرورة قتل الهراطقة، كما أن أول من أقرّ مبدأ التعذيب للحصول على اعترافات المتهمين بالهرطقة كان “البابا إنوسنت الرابع” والذي يعني اسمه “البريء” باللغة العربية.

ولعل كل تلك الأحداث كانت سبباً في سؤال الكثير من المسيحيين عما إذا كان الباباوات فعلاً يحملون رسالة “القديس بطرس”، كما أن الخلافات بين الباباوات وبعضهم تسبب في فقدان الكثير من المسيحيين لإيمانهم، ولم تقف الخلافات فيما بينهم في حياتهم، بل أن البعض منهم حاكموا أسلافهم الموتى ونبشوا قبورهم، كما حدث مع “البابا فورموسيس” الذي أمر خلفه “البابا ستيفان السادس” عام 897م بنبش قبره واستخراج جثته والباسها اللباس البابوي ووُضعت على كرسي المتهمين، ووُجّه له العديد من التهم التي تراوحت بين مخالفة القانون وسوء استخدام السلطة، ليُصدر حكمه بتجريد الجثة من الثياب البابوية وقطع ثلاث أصابع من يده اليمنى (الأصابع التي اعتمدها “البابا فورموسيس” للمباركة) وإلقاء جثته في “نهر التيبر”، قبل أن يتم انتشال الجثة ودفنه سراً دون علم البابا، وفي عام 905م عَلِمَ “البابا سيرجيوس الثالث” -الذي خَلَف “البابا ستيفان السادس”- بذلك، فأمر بإعادة إخراج جثة “البابا فورموسيس” وإلباسها الثياب الباباوية وإعادة محاكمته، وقُطعت رأسه وثلاثة أصابع أخرى وأُلقيت في النهر مجدداً، ولكن هذه المرة لم يهتم أحد بانتشال جثته!


حركة الإصلاح الديني

كل ما ذكرته سابقاً عن سلطة الكنيسة وتحكمها في الشعوب والحكام، دعت “مارتن لوثر” الراهب والقسيس الألماني وأستاذ اللاهوت للقيام بحركته الإصلاحية عبر الإعلان في البداية عن بنوده الخمسة والتسعين الشهيرة والتي حملت عنوان: (بحث في بيان قوة صكوك الغفران) واعتبرها تحويلاً للدين إلى تجارةٍ دنيوية، ليجد في وسط حربه مع الكنيسة أن تقرّبه لليهود سيُساعده في ذلك، خاصة وأن الكنيسة كانت تُعامل اليهود معاملةً سيئة وصفها “مارتن لوثر” بأنها “معاملة الكلاب”، ليقوم بنشر كتابه: “المسيح وُلِد يهودياً” قائداً بذلك الانشقاق الذي انتهى بظهور المذهب البروتستانتي.


المقال القادم سأتحدث فيه عن “مارتن لوثر” وكيف غيّر كتابه الشهير “المسيح وُلِد يهودياً” من حالة اليهود المزرية التي كانوا عليها في أوروبا.


تعريفات:

  • ¹ إنجيل متّى: هو أحد الأناجيل الأربعة والذي يبدأ به “العهد الجديد” الذي يعتمده المسيحيون في حياتهم، وتليه بالترتيب أناجيل مرقص، لوقا ثم يوحنا، وقد سُمّيت نسبةً إلى كاتبيها.

  • ² القديس بطرس: هو أحد حواريي عيسى بن مريم -عليه السلام-، ويقول عنه الشيخ “محمد الغزالي” في كتابه “علل وأدوية”:“هو أحد الحواريين الكبار، صحب عيسى بن مريم طويلاً، ومع ذلك فعندما تعرض هذا النبي الكريم للاضطهاد، وشرع خصومه من اليهود، والرومان يقاومون تعاليمه بغضب، وصدرت الأوامر للشرطة بمطاردة النصرانية، واعتقال أتباعها، وتعرض عيسى لحرج شديد، في هذه الآونة ألقي القبض على “بطرس” وسئل: أتعرف عيسى بن مريم؟ قال: لا! وأنكر عدة مرات أن ليس له به صلة، لقد آثر النجاة بنفسه”
  • ³ الهرطقة: ويطلق عليها أيضاً “الزندقة”، وهي كلمة اغريقية الأصل وتعني الخروج على مجموعة الأفكار الدينية التي يؤمن بها السواد الأعظم من الناس في مجتمعٍ ما وزمنٍ ما.

Advertisements

One comment

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s