نحو احتراف اللاعبين الشباب

حينما تعود لمشاهدة مباريات المنتخب السعودي في كأس العالم الأخيرة وتتسائل لماذا ظهر منتخبنا بشكلٍ هزيلٍ جداً أمام روسيا بالرغم من ظهوره بشكلٍ أفضل أمام أوروجواي ثم فوزه نتيجةً ومستوى أمام مصر، ستجد أن الإجابات تختلف ولكنها تدور حول ضعف عقلية اللاعب السعودي.

أعد مشاهدة مباراة روسيا الافتتاحية، ولا تهتم كثيراً بمشاهدة مجرياتها، بل اكتفِ بلقطات ما قبل ركلة البداية حينما كان اللاعبون يجرون عمليات الاحماء، وركّز أكثر قبل دخولهم للاصطفاف من أجل النشيد الوطني، وستجد بأن كثيراً منهم قد تخطّفت أبصارهم رهبةً من الحدث، وأن ما كانوا يرونه ضغطاً عصبياً في الدوري المحلي لا يعادل ثانيةً في كأس العالم.

هذا الأمر أعادنا للحديث عن ضرورة احتراف اللاعب السعودي، وأن السبيل الوحيد لمجاراة ركب الأمم المتقدمة كروياً هو بزيادة خبرات اللاعب السعودي عبر الاحتكاك المتواصل بالمدارس الأوروبية، والاستفادة من تقويم اللاعبين الشباب عبر الالتزام وإعادة صياغة مفهوم الاحتراف من كون كرة القدم فرصة للانتقال من الفقر إلى الغنى إلى كون كرة القدم مهنة بحد ذاتها.

معضلة كرة القدم السعودية في عقلية اللاعب السعودي الذي لا يرى أمامه أي طموح سوى زيادة قيمة عقده محلياً، كون الفرق الأوروبية لن تعطيه ذات المبالغ التي يتقاضاها في السعودية، وكونه يُفضّل البقاء ليعيش دور النجم هنا، بدلاً من الرحيل ليكون مجهولاً هناك.

وباعتقادي أن الاتحاد السعودي أحسن القرار بتعديله بعض مواد لائحة الاحتراف وأوضاع اللاعبين، وخصوصاُ عقودهم الاحترافية ومقدمات العقود وأجورهم الشهرية.

دعونا نتفق أولاً على أنني لا أفضّل أن يتم تحديد سقف لرواتب اللاعبين تحديداً، بل كنت أفضل أن يكون العمل على أن يكون هنالك سقف لرواتب كل نادي، تُحدده مداخيل النادي ومصاريفه المتوقعة، عبر ميزانية تصدر قبل بداية الموسم يتم فيها أخذ ضمان بنكي برواتب اللاعبين على كل نادي، بحيث لا يتأخر أي نادي في السداد.

ولكن برأيي أن الاتحاد السعودي أراد استباق الأحداث والعودة سريعاً بقطار الاحتراف الذي انحرف عن مساره وبات يهدد الأندية بالافلاس، عبر قراراتٍ جعلت كل الأندية تقريباً في صفٍ واحد، فلا يوجد نادٍ يستطيع دفع أكثر من الرواتب المحددة وبالتالي تساوت فرص الأندية في استقطاب اللاعبين، وهذا الأمر ايضاً سانده كثيراً التعديل الحاصل في عدد المحترفين الأجانب، وهو ما جعل الأندية كذلك تتساوى على أرض الملعب.

الآن، الخطوة التالية الواجب العمل عليها تختص اللاعبين الشباب في المنتخبات السنية، وذلك عبر تسويقهم خارجياً بطريقةٍ جيدة وعبر أندية يمكنهم اللعب بها بشكلٍ متواصل، حتى لو كانت تلك الأندية في دوريات ليست من الدرجة الأولى في أوروبا، فالهدف هنا هو أن يعيشوا أجواء الاحتراف بعيداً عن السعودية.

دعونا نتّخذ اليابان مثلاً، حينما قامت بذلك في الثمانينات الميلادية -حتى قبل تأسيسها لرابطة المحترفين عام 1993- وكانت قد أرسلت عدداً من لاعبيها إلى أوروبا مع تكفّل الاتحاد الياباني في الانفاق عليهم، وذلك بهدف أن يعيشوا الاحتراف بشكله الحقيقي، وهو ما استفادت الكرة اليابانية منه كثيراً وكذلك اللاعب الياباني الذي تحول إلى أكثر اللاعبين المرغوبين في الدوريات الأوروبية الكبيرة.

المهمة الرئيسية للاتحاد السعودي في ذلك هي حسن اختياره للدولة التي سيقوم بتصدير اللاعبين لها، وأعتقد بأن اتفاقية الاتحاد السعودي مع رابطة الدوري الاسباني كانت خطوة موفقة يجب أن تتبعها خطوات أخرى بذات السياق، مع دوريات أوروبية معروفة بتصدير اللاعبين المجهولين والتي تخلق بيئة محترفة قادرة على النهوض بهؤلاء اللاعبين.

فعلى سبيل المثال، يعد الدوري البرتغالي أحد أهم روافد الفرق الأوروبية الكبيرة، وطريقة اللعب تشابه كثيراً ما يألفه اللاعب السعودي من ناحية المهارة، كذلك فإن الدوري البلجيكي والدوري الهولندي معروفين بتخريج المواهب الشابة ويتميزون ببيئتهم المحترفة التي تجذب الفرق الأوروبية الكبيرة.

وأخيراً، فباعتقادي أن أهم ما يجب العمل عليه الآن فيما يخص اللاعبين الشباب هو تحديد سقف رواتب لمن لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، ليجعله ذلك يفكر أكثر في الاحتراف خارجياً أملاً في عقودٍ أفضل، الأمر الذي سينعكس بالضرورة على تجربته الاحترافية وعلى كرة القدم السعودية عموماً.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s